You are currently viewing Redha Saif – سقوط جدار

Redha Saif – سقوط جدار

سقوط جدار
بقلم رضا سيف
 
لطالما كان للبدايات التأثير الأعظم لحياة البشر، الدهشة العظمى لرضيع يفتح عينيه لأول مرة على الحياة خارج الرحم، اليوم الأول في المدرسة، اول صديق لعب وأول مرة في زيارة منطقة اثرية… الخ، المرة الأولى وان تبعتها مرات أفضل تضل نقشا ينحت ارواحنا ويشكل فينا جزء لا يمكن طمسه، ورغم ادراكي لميولي وفهمها بأفضل ما أستطيع، إلا ان تجربتي الأولى في علاقة حب كانت وستبقى اثرا لم يكن بوسعي ادراكه دون خوضه. انه فعلا ذكرى عظيمة رغم الآمها وصعوباتها.
 
كمعظم قصص الحب الملحمية التي تنتهي بتراجيديا، كان أول يوم في ولادة فصل الصيف -الذي يعرف عنه بفصل العلاقات المحتوم بفشلها- كان اول موعد حقيقي لي، اول مرة اتذوق بها حلاوة مالم اتخيل يوما امتلاكه، أتذكر بوضوح كيف تأنق يومها، الموسيقى التي استمعنا لها معا ورأسانا يسند أحدهما الأخر، كيف راقبته بتملص اتأمل وجهه، وكيف اختتمنا ذلك الموعد بقبلة ناعمة امام باب منزله-قبلتي الأولى- كان مثالياً.
 
تلك اللمسات المضطربة والقبلات المسروقة لم تكن أبداً الصورة الأمثل لحب آمن وسعيد، لكنها كانت تجربتي، ملكي انا، وهذا كفيل بجعلي فخور بها ومعتز باختياراتي وتمسكي ومشاعري التي ما يزال جزء منها متعلقاً بي كقشة غريق. ورغم دراستي الدقيقة لكتيب العلاقات وسفسطة التجارب الناجحة، الا ان كل ما جمعته بشكل هاو من منشورات تويتر وبِضع شخصيات كتبٍ لم يسعفني عندما وجدت نفسي بعلاقة حقيقية، فوضى مشاعر لا يمكن شرحها ولا ببحث وافيٍ من عشرة مجلدات، الشعور الذي صدمني بشدة هو وانه ولأول مرة كان هناك فعلا شخص يهمني رأيه بي! انا الذي لم يهتم يوماً بنظرة أحد -حتى اهلي ومدرسيّ والمشرفين القائمين علي- قد وجدت نفسي بزوبعة دائما محاولا كيفية الظهور بأفضل شكل من اجله هو، هو من أحببت ومن رغبت بشدة بجعله فخوراً، ورغم إصراره انه بالفعل فخور بي الا انني رغبت ان اجعله افخر من فخره الذي يفتخر به!ربما لأنني شعرت بان كلامه مجاملة او لان الحب يمكنه ان يكون أعظم مؤثر لجذورنا ان تنمو حتى تنفجر الاصائص التي كتمنا أنفسنا بحدودها الضيقة.
 
تلك المشاعر الفريدة لم تكن فقط جزء من بلورة روحي، بل وأنها كانت حداً فاصلا ومهما للغاية في سبيل تطور ذاتي وتعلمي لعدة أشياء ظننت نفسي افقهها مسبقاً عن العلاقات البشرية والعاطفة وتقبل الذات. يمكن للحب ان يؤذينا، يبكينا، يرمينا بقسوة على ارجلنا ولكنه ومازال قوة مبهمة لا يمكنإدراك مكنوناتها الا لاحقاً. كمثليين نجد أنفسنا في ندم وشعور بالقلق الدائمين ظانين ان ما نمتلكه ليس بجيد كفاية وقد يقودنا هذا الاعتقاد الخاطئ لسلوكيات تحط منا ونؤذي أنفسنا بأنفسنا، ولكنه بالواقع جيد بل مثالي للغاية! وكلما خضنا فيه بصدق كلما تجلت لنا حقيقة جمالها حتى باتت أصوليةً منيعة.
 
رغم انتهاء تلك العلاقة بأبشع الصور الممكنة، ورغم اختلاط مشاعري الشغوفة بمشاعر كره تعادلها قوة، الا انه ورغم كل شيء ماتزال تجربتي الأولى وعن حق بفهم ميولي بفهم صدقها، قوتها، وجمالها. كل ذلك الكلام المنمق الذي كنت أهذي به في الماضي عن عدم فهمي لماذا يعاني من ينفصلون أصبح حقيقة واضحة امامي، ورغم الم وسوء الانفصال الا انه وبالفعل نحت شيئا أكثر من أصيل. لم يكن دماراً بل ازدهاراً لان الانفصال بحد ذاته لم يكن جوهر التجربة، صدق المشاعر التي حملتها والتي فتحت لي أبواب مهولة لم يكن لعقلي ان يستوعبها، تلك هي التجربة التي اعتز بها والتي يجب على كل مثلي ان يعتز بها، تجربتي عن تقبل ذاتي، عن السماح للجدران التي بنيتها بنية حماية ذاتي ان تسقط، ان أكون غير منيع لبعض الوقت وان اسمح لمشاعري ان تفيض عوضاً عن تقييدها بغية ان يأتي اليوم الموعود الذي يمكنني ان أطلقها دون ان اتعرض للسجن او الضرب.  
 
عند النظر ملياً أجد ان تلك الجدران هي من اساءت لي وليس المقامرة بدخول علاقة رغم خوفي من الفضيحة والعقاب الذي يتوعدني المجتمع به، تجربتي الأولى، دهشتي الأولى، هي بحق وقود يفيض روحي طافة وانتاجية تجعلني أتطلع بحرقة كالجمر بأن اعطي من حبي الذي ما يزال يملئ قلبي لأي يكن التالي، لأي يكن تجربتي التالية، لأنني اعرف الان على خلاف الماضي، انني يمكنني ان أقوم بهذا، استطيع ان احب واستطيع تلقي اللهيب المستعر المصاحب للحب، لأنه ورغم الامان الذي يزدهر ببناء جدار يحيط ذواتنا، الا ان في هدمه لذة لا يعرفها الا من احب ومن سيحب ومن سيبقى يحب.

Redha Saif

Leave a Reply